مركز الثقافة والمعارف القرآنية

390

علوم القرآن عند المفسرين

مغلوبا مقهورا بسبب آخر أقوى منه . 7 - القرآن يعد المعجزة برهانا على صحة الرسالة لا دليلا عاميا : وهاهنا سؤال وهو أنه ما هي الرابطة بين المعجزة وبين حقية دعوى الرسالة ؟ مع أن العقل لا يرى تلازما بين صدق الرسول في دعوته إلى اللّه سبحانه وبين صدور أمر خارق للعادة عن الرسول ، على أن الظاهر من القرآن الشريف تقرير ذلك فيما يحكيه من قصص عدة من الأنبياء كهود وصالح وموسى وعيسى ومحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فإنهم على ما يقصه القرآن حينما بثوا دعوتهم سئلوا عن آية تدل على حقية دعوتهم فأجابوهم فيما سئلوا وجاءوا بالآيات . وربما أعطوا المعجزة في أول البعثة قبل أن يسألهم أممهم شيئا من ذلك ، كما قال تعالى في موسى عليه السّلام وهارون : اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي « 1 » ، وقال تعالى في عيسى عليه السّلام : وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « 2 » وكذا إعطاء القرآن معجزة للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وبالجملة فالعقل الصريح لا يرى تلازما بين حقية ما أتى به الأنبياء والرسل من معارف المبدأ والمعاد وبين صدور أمر يخرق العادة عنهم . مضافا إلى أن قيام البراهين الساطعة على هذه الأصول الحقة يغني العالم البصير بها عن النظر في أمر الإعجاز ، ولذا قيل : إن المعجزات لإقناع نفوس العامة لقصور عقولهم عن إدراك الحقائق العقلية ، وأما الخاصة فإنهم في غنى عن ذلك . والجواب عن هذا السؤال : أن الأنبياء والرسل عليهم السّلام لم يأتوا بالآيات المعجزة لإثبات شيء من معارف المبدأ والمعاد مما يناله العقل ، كالتوحيد والبعث وأمثالهما ، وإنما اكتفوا في ذلك بحجة العقل والمخاطبة من طريق النظر والاستدلال كقوله تعالى : قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 3 » في الاحتجاج على التوحيد وقوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ

--> ( 1 ) سورة طه : الآية 42 . ( 2 ) سورة آل عمران : الآية 49 . ( 3 ) سورة إبراهيم : الآية 10 .